محمد ابو زهره
60
خاتم النبيين ( ص )
المجتمع الفارسي ، وضاعت فيه الأنساب واستبيحت الأموال حتى وهنت الحقوق ، وضعف تثمير الأموال ، واختلط الحابل بالنابل ، وما كان في المستطاع أن يغير النظام بنظام من فارس ، فإن التجارب في المذاهب السابقة من زرادشتية إلى مانوية إلى مزدكية ، لم تنجح في إصلاح ، بل كانت كالأدوية التي تزيد الداء العضال استشراء في الجسم ، فتكون هي أسبابا لتقوية الانحلال ، فالزرادشتية دعت إلى القوة ، فتحكم القوى في الضعيف ، والمانوية دعت إلى إنهاء ابن الإنسان من هذه الأرض مما اضطر كسرى لقتله ، وجاء من بعد ذلك مزدك ، فنشر الفساد وانهار به المجتمع الفارسي انهيارا . إذن لابد من هداية السماء ، لتستقيم الأمور ، فكانت في أرض العرب التي تجاورهم ، كان من أرض العرب الرسول الأمين ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) . 50 - وإذا تجاوزنا فارس وخراسان وما وراءهما ، نجد الهند والصين ، وعندئد نجد حيرة العقول واضطرابها ، نجد مجتمعا مضطرب التفكير ، قد حرفت البرهمية ، حتى صارت وثنية بعد أن كانت ديانة مواحدة ، وصار براهما إلها مجسما في أعينهم ، مع أنه في حقيقته رسول أرسله الله تعالى ، قد جسموه ، وجعلوا بعضه يخلق منه ، خلق من أعلاه ، وخلق من سواعده ، وخلق من ركبتيه ، وخلق من قدميه ، وحالوا بين الخلق والحق ، ثم فرقتهم الفرقة والطبقية ، ورضوا بالتنافر بينهم بدل التحاب والتواد ، وتقطع بينهم أمرهم ، حتى صاروا هدفا يراد ، ومقصدا يقصد . وصارت الأوهام تسيطر عليهم ، حتى توهموا في أحد رجال الدين عندهم أنه إله أو ابن إله ، ونحلوه من الصفات ما لا يكون لبشر عادي ، وذكروا أن النصارى تبعوه ، إلى اخر ما قيل مما أخذه عنهم النصارى من بعدهم . ولما اتجهت بعض النفوس إلى إصلاحهم كانوا في حيرة من أي الأبواب تدخل في الإصلاح ، لأن معرفة المداخل والمخارج في باب التهذيب الديني لا تكون إلا بدين ، ولم يكن ثمة دين مرشد ، ولا نبي مبعوث يدعو إلى الحكمة وإلى الصراط المستقيم . فاقتصروا على ما يوميء إليه الإحساس ، فجاء بوذا وأتى بعقيدة هي إلى الحرمان أقرب منها إلى الإصلاح والإيجاب ورفع الإنسان وتكوين الإرادة المتجهة إلى الفضيلة الإيجابية والعمل النافع المثمر ، وعمارة هذه الأرض ، وإقامة المصالح على أسس خلقي مكين . وإن الحرمان لا ينتج ولا يثمر ، ولا يطبقه العامة ، وإن ادعاه الخاصة ، ولذلك لم يكتب لهذا المذهب الأخذ به أخذا كاملا ، أو قريبا منه ، أو حتى إرادته إلا عند بعض الآحاد الذين سموا في الماضي والحاضر الفقراء ، وقد راضوا أنفسهم على الحرمان غير المنتج .